أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

45

شرح مقامات الحريري

كأن سرّى في أحشائه لهب * فما يطيق له صمّا حواشيها قد كان صدرك للأسرار جندلة * ضنينة بالذي تخفي نواحيها فعاد من بثّ ما استودعت جوهرة * رقيقة تستشفّ العين ما فيها وله أيضا : [ الوافر ] ثناني عنك ما استشعرت سرّا * خلال فيك لست لها يراض « 1 » وإنّك كلّما استودعت سرّا * أنمّ من النّسيم على الرياض قوله : « وبه جرى المثل في النميمة » ، يقال : أنمّ من الزجاجة على ما فيها ، لأنه جوهر لا يكتم ما فيه . [ مما قيل في وصف الذهب والزجاج ] قال الأصبهانيّ : ما زال البلغاء يتعاطون وصف هذا الجوهر ، فعبّروا عن مدحه وذمّه ، فأما ذمه فإن إبراهيم بن سيار النظام أخرجه في كلمتين بأوجز لفظ ، وأتمّ معنى ، فقال : سريع الكسر ، بطيء الجبر . وقال في الذهب : الذهب لئيم ، لأن الشكل يصير إلى شكله ، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام . وأما سهل بن هارون ، فكان يوما بمجلس أحد الملوك ، وشدّاد الحربيّ يعدّد خصال الذهب ، فقال : هو أبقى الجواهر على الدّفن ، وأصبرها على الماء ، وأقلّها نقصا في النار ، وهو أوزن من كلّ ذي وزن ، إذا كان في مقدار شخصه ، ولو وضعت على ظهر الزئبق في إنائه قيراطا من ذهب ، لرسب حتى يضرب قعر الإناء ، وسائر الجواهر تطفو فوقه ؛ ولو كان الجوهر ذا وزن ثقيل ، ورجح عظيم ولا تشدّ الأسنان المتقلقلة بغيره ، ولا يوضع في مكان الأنوف المصطلمة سواه ، وميله أجود الأميال ، والهند تمرّه في العين بلا كحل لصلاح طبعه ، وعليه مدار التبايع مذ كان التبايع ، وهو ثمن لكل شيء ، وهو الزرياب « 2 » والصّفائح التي تكون في سقف الملوك ، والطبخ في قدوره أغذي وأمرأ . وسئل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن الكبريت الأحمر ؛ فقال : هو الذهب ؛ فأدرك سهل بن هارون من الغيرة والحسد ما دعاه إلى معارضته ، فقال يذمّ الذهب ، ويفضّل الزّجاج : الذهب مخلوق والزجاج مصنوع ، وإن فضله الذهب بالصلابة فضله الزجاج بالصفاء ، والزجاج أبقى على الدّفن ، والزجاج نور علويّ ، والذهب ميّاع سيّال ، ولم تتخذ الناس آنية للشراب أجمع لما يريدون من الشراب منه ، والشراب فيها أحسن منه

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان السري الرفاء ص 157 . ( 2 ) الزرياب : هو الذهب الخالص .